ابو القاسم الكوفي

202

الاستغاثة في بدع الثلاثة

ومثل هذا التخرص والافتراء ، ما رووا : ان عمر سراج أهل الجنة في الجنة ، ولم تجد اللّه عز وجل ذكر في شيء من كتابه أنه نجعل لأهل الجنة سراجا ، وإنما أخبرنا أنه يجعل رسوله سراجا للمؤمنين في الدنيا بقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً « 1 » فجعل اللّه رسوله سراجا للمؤمنين في هدايتهم وارشادهم وتعليمهم . فان كانوا أرادوا بقولهم في عمر : إنه سراج أهل الجنة بمعنى أن يعلمهم ويهديهم ويرشدهم ، قيل لهم : إن أهل الجنة لا تكليف عليهم ، ولا جهل فيهم ، فلا حاجة لهم إلى تعليم ولا إلى الرشاد ، ولو كانوا محتاجين إلى ذلك لكان أنبياؤهم ورسلهم أحق بذلك من عمر ، إلا أن يقولوا : إن عمر في الجنة أعلم وأفضل من الأنبياء ، فيحق عليهم اللعنة من اللّه ورسوله والملائكة وجميع عباده . ولعمري ان هذا الخبر يوجب عليهم هذا القول ويلزمهم أن يقولوا إن عمر أفضل من جميع الخلق والأنبياء والرسل والملائكة إذ كان اللّه جعل رسوله سراجا لأهل الدنيا وجعل عمر سراجا لأهل الجنة وسراج أهل الجنة أجل وأفضل وأرفع وأعظم منزلة من سراج أهل الدنيا ، ولم يبق بعد الهداية والارشاد في معنى السراج إلا الضياء من المصباح من النار والشمس والقمر والنجوم وما شاكل ذلك مما يستضاء به في الظلمة ، أو نضارة الوجه وحسنه ، فيبتهج به من يراه ، ولا وجه آخر نعرف في معنى السراج غير هذه الوجوه ، فان زعموا أنه أراد ذلك ضياء أهل الجنة ، فما في الجنة ظلمة فيحتاجون إلى ضياء سراج فيها يستضيئون به ، وهذا قول جاهل غافل غوي .

--> ( 1 ) سورة الأحزاب : الآية : 46 .